كتابات وآراء


الخميس - 22 يناير 2026 - الساعة 08:53 ص

كُتب بواسطة : د. عيدروس نصر - ارشيف الكاتب


رحم الله القائد الأكتوبر والزعيم الاشتراكي الجنوبي الفقيد الرئيس علي سالم البيض، وخلد ذكراه لتكون مجلداً من الدروس والعبر والمآثر لتتعلم الأجيال من حسناته وما أكثرها وتتجنب الهفوات والنواقص التي رافقت مسيرته النضالية الطويلة.
حينما قدم الرئيس البيض إلى صنعاء حالما بيمنٍ كبير مزدهر تسوده العدالة والنهوض والحرية والكرامة والمواطنة المتساوية، لجميع أبنائه في الشمال والجنوب على السواء، كان الطرف الآخر يشحذ مدية الغدر ليوجهها إلى قلب الفارس النبيل الذي تخلى عن كل شيء (الدولة والعاصمة والثروة والأرض وموقع الرجل الأول والمستقبل) في سبيل الهدف السامي الذي تشربه منذ طفولته، وكانت مكفأته النفي والحكم بالإعدام، في مسرحيةٍ هزلية تشبه ما يفعله قُطَّاع الطريق حينما يصفون جسديا الشريف الذي يخالفهم سلوكهم المنحرف.
* * *
في أبريل من العام 2022م وبُعيد أداء اليمين الدستورية من قبل رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي في مدينه عدن وبعد أن زارني العشرات من أبناء وذوي شهداء الحراك السلمي الجنوبي إلى مكان إقامتي في عدن وأبين وقابلت الكثيرين منهم في الأماكن العامة كان السؤال الرئيسي الذي يطرحونه عليَّ هو: كيف تقبلون بمن وجه قواته باطلاق النار لقتل أهلنا في فعالياتهم السلمية بأن يكون رئيساً لبلادنا؟ ولوح بعضهم بالنية على إقامة فعاليات احتجاجية ورفع دعاوي قضائية ضد الرئيس رشاد العليمي بصفةٍ شخصية.
وحينما التقيت اللواء عيدروس الزبيدي نائب رئيس مجلس القيادة بعد يومين من أداء اليمين الدستوريه نبهته إلى حالة السخط والغضب العام الذي يسود بين أهالي وذوي شهداء وجرحى فعاليات الحراك السلمي، ورويت له ما قاله لي هؤلاء عن نيتهم تنظيم فعاليات احتجاجية ورفع دعاوي قضائية ضد الدكتور رشاد العليمي.
لكن اللواء عيدروس قال لي: نحن نحترم ونقدر تضحيات هؤلاء الشهداء الأبطال ومعانات أهليهم وذويهم، ولا بد من إنصافهم وتعويضهم التعويض المناسب حينما تستقر الأمور وتستعيد الدولة مكانتها، لكن يجب علينا أن نتجنب التصعيد في هذه المرحلة بالذات لأننا نريد أن نوفر الأجواء المساعدة على نجاح هذه الشراكة وتجنب أية أعمال تصعيدية.
قلت للواء عيدروس إن لا علاقة لي بما ينادي به أهالي الشهداء والجرحى وذويهم، لكنني لا أتردد عن إعلان تعاطفي مع مطالبهم بحقهم والتعبير عن معاناتهم ومظلوميتهم.
لقد كان اللواء الزبيدي حريصاً حرصاً صادقاً على أن تقوم منظومة الشراكة في السلطة بواجباتها وأن تنجح في تطبيع الأوضاع وتوفير الخدمات وخلق بيئة مستقرة لقيام الدولة (المفترضة) بواجباتها، ولم يخفِ صدقه في العمل الجاد على مساعدة الأشقاء الشماليين على استعادة عاصمتهم سلما أو حرباً، وبطبيعة الحال لم يخشَ ولم يتردد عن إعلان تمسكه بحق الشعب الجنوبي في استعادة دولته.
وتدور الأيام وتتصاعد الأحداث وتتشعب الأزمة التي افضت اليها هذه الشراكة البائسه لتنقلب الأمور الى عكسها فالرجل الذي حرص اللواء عيدروس الزبيدي على أن لا يثير البلبلة حول اسمه من منطلق الحفاظ على الشراكة، انقلب على اللواء عيدروس واتخذ ضده القرارات غير الشرعية وغير القانونية، ويصدق نفسه بأن الإحالة إلى النائب العام وتهمة الخيانة الوطنية سيصدقها الناس.
* * *
التاريخ يعيد نفسه فكما كافأ أدعياء "الوحدوية" المناضل علي سالم البيض عليه رحمة الله بالتنكر والنفي بعد الحكم عليه بالإعدام يكرر العليمي وأتباعه مكافأة من حرر لهم الأرض وسلمهم قيادتها وحماهم حتى من سخط الشعب الجنوبي عليهم، مع الفارق أن حكام 1994م كانوا يصدرون أحكامهم ويمارسون عنترياتهم من داخل عاصمتهم صنعاء أما موديل 2026م من الحكام فيتعنترون وهم هاربون ويصدرون فرماناتهم من بلد النزوح.
* * *
اللواء عيدروس الزبيدي وقبله الرئيس علي سالم البيض ليسا ملاكين من الملائكه وليسا مطهرين من الاخطاء لكن مسألة الإحالة إلى النيابة والقضاء هي قضية سياسية بامتياز ولا علاقة لها بالأخطاء والعيوب التي قد تكون رافقت مسيرتهما السياسية، ولو إن هناك جدية لتفعيل النيابىة العامة لكان أول من يستحق الوقوف أمامها هم من قتلوا الأبرياء ومارسوا الفساد المالي والإداري والسياس الممنهج وعبثوا بثروات البلاد وتقاسموا الحقول والقطاعات النفطية وشواطئ الاصطياد ومزارع الدولة والتعاونيات والمباني والمنشآت والشركات والمصانع الحكومية الجنوبية في ما بينهم وليس من قاد معارك تحرير البلاد والتصدى للإرهاب وتحرير المحافظات الجنوبية من الجماعات الداعشية والحوثية.
ويبدو أن تلك هي الجنايات التي يراد محاسبة اللواء الزبيدي بسببها.

"ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"