السبت - 29 نوفمبر 2025 - الساعة 03:34 ص
عند التأمل في مخرجات مشاورات الرياض الثانية التي أفضت في أبريل 2022 إلى تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، يتضح للمراقب الموضوعي أن مشروع استعادة الدولة اليمنية الشرعية قد أصبح أكثر تماسكاً وغنىً في مكوناته الوطنية. وقد شكّل انضمام المجلس الانتقالي الجنوبي إلى قيادة المرحلة اعترافاً صريحاً من تحالف دعم الشرعية، بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره.
فهذا الحق الذي حمله المجلس الانتقالي الجنوبي منذ تأسيسه، بوصفه الممثل السياسي للجنوب وتطلعاته المشروعة للاستقلال، بات اليوم جزءاً لا يتجزأ من المعادلة السياسية المعترف بها إقليمياً ودولياً، في إطار الشرعية اليمنية لهزيمة المشروع الحوثي المدعوم من إيران.
لقد التزم المجلس الانتقالي الجنوبي، منذ نشأته، بثوابته الوطنية وبمبدأ الحوار الوطني الجنوبي الشامل مع مختلف شرائح المجتمع في الداخل والخارج، بمختلف رؤاهم وتوجهاتهم، تعزيزاً لنهج التوافق والشراكة. وهذا ما جدّد التأكيد عليه رئيس المجلس، عيدروس الزُبيدي، في الأيام الماضية، خلال الاستعدادات للاحتفال بالذكرى الثامنة والخمسين للاستقلال، في إطار رؤية استراتيجية واضحة لبناء دولة الجنوب العربي الفيدرالية المستقلة ذات السيادة.
إن هذا المشروع الوطني الجنوبي لا يُدار في غرف مغلقة، ولا يقوم على الصفقات الضيقة، بل يُطرح أمام الناس بوضوح وشفافية. وهو مشروع شريك فاعل وأساسي في مجلس القيادة الرئاسي، الذي يتمتع فيه الجنوب بنصف التمثيل السياسي، ما يضع أمام القوى السياسية الجنوبية التي ترقب الموقف من مقاعد المتفرجين في الشرعية، مسؤولية إعادة تموضعها ضمن الأجندة الوطنية الجامعة التي يمثلها المجلس الانتقالي الجنوبي.
إنها دعوة صادقة تهدف إلى إغلاق أبواب المتاجرة السياسية، وقطع الطريق على من يقتاتون من الانقسام وتضارب الأجندات. فالمجلس الانتقالي الجنوبي يطرح مشروعه الوطني بلا مواربة؛ دولةً عادلةً ديمقراطيةً فيدراليةً تضمن التنمية والازدهار لكل أقاليم الجنوب، دون إقصاء أو إلحاق أو انتقاص.
وبمناسبة الذكرى الثامنة والخمسين للاستقلال المجيد، التي يحتفل بها الجنوبيون على امتداد جغرافيا الجنوب، وتحديداً في حضرموت التاريخ، والحاضر، والمستقبل، ذلك العمقَ الجنوبيَّ الراسخَ الذي تتحطم أمام منعته وصلابته كلُّ المؤامرات والدسائس، أجدها لحظةً مناسبةً لتوجيه نداءٍ مسؤولٍ :
لكل الجنوبيين الأحرار، في الداخل،
وكل الجنوبيين الأحرار في المهجر،
وكل الجنوبيين الأحرار في مؤسسات الشرعية،
أن يلتفوا حول الشرعية الحقيقية التي يمثلها المجلس الانتقالي الجنوبي.
إن السير في طريق واحد، وبكلمةٍ سواء، هو الطريق الأقصر إلى النصر. فوجود كل القوى والشخصيات الجنوبية ضمن مشروع المجلس الانتقالي هو إضافةٌ إلى قوتهم، ولا ينتقص من مكانتهم، بل يعزز حضورهم داخل الإطار السياسي الذي أقرّته مشاورات الرياض 2022.
كما أنها دعوةٌ صادقةٌ لبعض إخوتنا الشماليين، شركائنا في الشرعية، بأن يكفّوا أيديهم وألسنتهم، ويتوقفوا عن إشعال نار الخلاف، وأن يتذكروا دائماً أن عدن، والمهرة، والضالع، وشبوة، وحضرموت، ويافع، وأبين، ولحج، وقيادةَ المجلس الانتقالي، والقوات الجنوبية الباسلة، هم سندٌ لهم في مشروعهم ومشروعنا لهزيمة الحوثيين المدعومين من إيران. وان الخصم ليس الجنوب ولا الجنوبيين، ولا المجلس الانتقالي الجنوبي، بل الحوثي.
وسيظل أشقاؤنا في الشمال شركاءَ لنا، نساندهم ويساندوننا، حتى تتحقق أحلامنا المشتركة في وطنين مستقلّين متكاملين وآمنين، يعيش كلٌّ منهما بسلام مع الآخر، وباحترام متبادل لخيارات الشعوب وحقها في تقرير مصيرها بنفسها.
ولأهلي في كل الجنوب أقول: إن للسيادة طعماً لا يعرفه إلا من أضاع سيادته، ودُنِّست أرضه، وأُهين ناسه في حرب الإلحاق في ١٩٩٤.
اليوم بعد ثمانية وخمسين عاماً من رفع علم الاستقلال الأول في عدن، يقف الجنوب خلف قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، أمام استحقاق استقلالٍ ثانٍ، أشد وعياً وتصميماً، بعد تجربة الوحدة المريرة، وحرب الالحاق الدامية، والانقلاب الحوثي.