الخميس - 01 يناير 2026 - الساعة 04:17 م بتوقيت اليمن ،،،
عدن برس / عدن
مجلس القيادة الرئاسي أخفق في أن يكون حكومة حرب أو سلام، فبات كياناً مشلولا
٤/١ أكد عام 2025 الموت النهائي للجمهورية اليمنية التي أُعلنت في العام 1990، وسرعان ما أُصيبت إصابتها القاتلة في حرب 1994، ثم وضعت على أجهزة الإنعاش منذ عام 2015. لم يعد السؤال المطروح في 2025: متى يعود اليمن إلى ما كان عليه؟، بل أصبح السؤال الحقيقي: من يملك القدرة على إدارة الواقع، ومن يمتلك الحد الأدنى من مقومات الدولة؟.
امتدت تداعيات حرب غزة إلى عمق المشهد اليمني خلال عام 2025، معززة سردية الحوثيين حول ما أسموه ب"عمليات الإسناد". وشملت هذه العمليات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل، وشن هجمات على الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن، وفرض ممارسات أقرب إلى القرصنة، بما في ذلك جبايات غير قانونية على شركات الشحن العالمية. وبهذا التموضع، اندمج الحوثيون ضمن بنية صراع إقليمي تقوده طهران، بما حمله ذلك من تهديد مباشر لأمن التجارة العالمية، في مصادرة كاملة لاحتكار اليمن لقراري السلم والحرب. عند هذه النقطة، تلاشى ما تبقى من السيادة اليمنية الاسمية عملياً.
بلغ تدويل الملف اليمني ذروته مع إطلاق الجيش الأمريكي عملية "راف رايدر" في 15 مارس 2025، والتي استهدفت البنية العسكرية للحوثيين، بما في ذلك القدرات الصاروخية، ومنظومات الطائرات المسيّرة، والرادارات والدفاعات الجوية، ومراكز القيادة والسيطرة، في محاولة لردع التهديدات الموجهة لحرية الملاحة الدولية. وفي 6 مايو/أيار 2025، أنهى الرئيس دونالد ترامب العملية مقابل تعهد بوقف الهجمات الحوثية على السفن الأمريكية.
وبموازاة ذلك، أدخلت الضربات الجوية الإسرائيلية على أهداف حوثية في صنعاء، اليمنَ رسمياً في قلب المواجهة الإسرائيلية–الإيرانية، مؤكدة أن البلاد لم تعد مجرد ساحة حرب أهلية، بل تحولت إلى منصة إطلاق صواريخ ضمن استراتيجية إيرانية متعددة الجبهات، ما جعل اليمن تهديداً مباشراً للأمن الدولي.
في المقابل، يواصل الحوثيون عملهم كسلطة أمر واقع خارج أي منطق للدولة، بينما فشلت الحكومة المعترف بها دولياً في بناء مؤسسات أو استعادة زمام المبادرة، مكتفية بالوجود في المنفى وفي الفضاء الافتراضي. وبالتوازي، برزت نقاشات قانونية وإنسانية حول الخسائر المدنية، بما في ذلك الدعوات للتحقيق في الضربات التي طالت مدنيين، وكذلك في ممارسات الحوثيين المتعلقة باحتجاز المهاجرين.
هنا تنهار بالكامل أسطورة "دولة الوحدة". فعندما تُقصف عاصمة البلاد من قبل أطراف خارجية، وعندما لا تمتلك السلطة السياسية المعترف بها أي سيادة فعلية على الأرض ولا تتحكم بأي قرار أمني، تصبح الوحدة مجرد شعار فارغ فوق أرض ممزقة. في الأثناء، تواصل ما يُسمى بالشرعية انتظارها في فنادق الخارج، وكأنها تراهن على أن الخارج سيعمل على تحرير صنعاء يوماً ما وستسلَّم إليها كغنيمة مجانية.
داخلياً، كشف عام 2025 عجز مجلس القيادة الرئاسي عن التحول إلى سلطة حرب أو سلطة سلام. وبدلاً من ذلك، أصبح إطاراً مشلولاً، تحكمه المصالح الضيقة، وتتنازعه الولاءات، وتتصارع داخله الرعايات الإقليمية المتباينة. لقد فشلت هذه السلطة في أداء مهمتها، ودخلت مرحلة من الشلل السياسي تتطلب مراجعة جذرية.
وعلى الأرض، لا سيما في المحافظات الجنوبية التي تشكل نحو 80 في المئة من المناطق الخارجة عن سيطرة الحوثيين، برزت مظاهر الفشل بوضوح: احتجاجات بسبب انهيار الخدمات، تأخر صرف الرواتب، وتفكك إداري متزايد.
وسط هذا المشهد المنهار، برز جنوب اليمن، بقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، بوصفه الإقليم الأكثر قابلية لبناء شراكة وظيفية مع التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات، ومع المجتمع الدولي. وتشمل هذه الشراكة مكافحة الإرهاب ضد تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية والشبكات المرتبطة بالإخوان المسلمين، إضافة إلى حفظ الأمن وتأمين الممرات البحرية الحيوية.
وفي ديسمبر 2025، تصاعدت التوترات السياسية والعسكرية في شرق جنوب اليمن، مع توسع نفوذ قوات المجلس الانتقالي الجنوبي وطردها عناصر عسكرية مرتبطة بالإخوان المسلمين، ما أدى إلى احتكاكات بين أطراف داخل التحالف.
وبغض النظر عن مواقف الخارج من استئناف مسار استقلال جنوب اليمن، يبقى المؤشر السياسي الحاسم واضحاً: أين توجد سلطة قادرة على فرض الأمن وتقديم نموذج حكم قابل للحياة؟
ورغم قتامة المشهد، شهد عام 2025 تطوراً إنسانياً مهماً تمثل في اتفاق لتبادل الأسرى برعاية الأمم المتحدة. ورغم أن هذه الخطوة أسهمت في خفض التصعيد، إلا أنها تظل ترتيبا جزئيا وهشاً، شبيهاً باتفاقات سابقة سرعان ما انهارت، ولا ترقى بأي حال إلى مستوى عملية سلام شاملة.
٤/٤ أما الأهداف الأمريكية لما بعد 2025، فهي واضحة: كبح النفوذ الإيراني، تأمين طرق الملاحة الدولية في بحر العرب وخليج عدن وباب المندب، وتقليص نفوذ التطرف المرتبط بشبكات الإخوان المسلمين. وقد أثبتت تجربة 2025 أن الرهان على "شرعية ميتة" لا ينتج شراكة ولا استقراراً، بل يطيل أمد معاناة المدنيين.
المطلوب اليوم هو شراكة أمريكية براغماتية مع الطرف القادر فعلياً على الحكم وفرض الأمن على الأرض. فهل ستعيد واشنطن تقييم مقاربتها لليمن الشمالي والجنوب العربي؟ وهل ستتجه الإدارة في 2026 إلى تصنيف حزب الإصلاح، الذراع المحلية لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن، كمنظمة إرهابية أجنبية؟
يقدم المجلس الانتقالي الجنوبي عرضاً سياسياً واضحاً: شراكة حقيقية لمكافحة الإرهاب، بما في ذلك التطرف المرتبط بالإخوان المسلمين، وتأمين باب المندب، وردع التوسع الإيراني، والانخراط في ترتيبات إقليمية مع شركاء الخليج لتحقيق التنمية والازدهار، بما في ذلك الأطر الأوسع المرتبطة بالاتفاقات الإبراهيمية.
ينبغي على الإدارة الأمريكية أن تنخرط مع جنوب اليمن – الجنوب العربي – لا بوصفه ملحقاً لأزمة يمنية مستعصية، بل باعتباره فرصة لبناء نموذج استقرار قابل للحياة، يضاف إلى سجلها في معالجة الأزمات الدولية المعقدة. وإذا ما شهد عام 2026 ميلاد دولة الجنوب العربي الاتحادية، المستندة إلى شروط واضحة للحكم الرشيد، وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، فقد يتمكن الجنوبيون أخيراً من كسر حلقة الصراع واليأس. ويبقى السؤال: هل سيلتقط الشركاء الدوليون هذه الفرصة، أم يتركونها تضيع؟
انتهى
*تم إرسال هذه المادة إلى الناشر في ٢٥ ديسمبر وفق مقتضيات النشر، ولم تشمل تطورات الأيام الأخيرة من ٢٠٢٥، لذا وجب التنويه.
بقلم خالد اليماني/ ٣١ ديسمبر ٢٠٢٥
مرصد منتدى الشرق الأوسط/ واشنطن