الثلاثاء - 06 يناير 2026 - الساعة 06:30 م
في عالمٍ لم تعد فيه الجغرافيا منفصلة عن الاقتصاد، تحوّل الأمن القومي العربي من مفهوم سيادي تقليدي إلى معادلة اقتصادية مركّبة، يظهر اختلالها سريعًا في أسعار الغذاء والطاقة، وكلفة الشحن، واستقرار العملات، بل وفي الاستقرار الاجتماعي والسياسي للدول. ومن هذا المنطلق، لم تعد الممرات المائية في البحر الأحمر وباب المندب مجرد خطوط على خرائط الملاحة الدولية، بل أصبحت شرايين حيوية تمسّ معيشة ملايين البشر، وتختبر قدرة الدول على حماية مصالحها الاقتصادية في زمن تتسارع فيه الأزمات وتتداخل فيه الحسابات.
تكشف الأرقام وحدها حجم الرهان المرتبط بالبحر الأحمر. فالتقديرات الدولية تشير إلى أن ما بين 12% و 15% من حجم التجارة العالمية يمر عبر هذا الممر الحيوي، إضافة إلى أكثر من 30% من تجارة الحاويات عالميًا، ونحو 10% من تجارة النفط ومشتقاته. هذه النسب تعني أن أي اضطراب، مهما بدا محدودًا أو مؤقتًا، ينعكس فورًا على كلفة النقل والتأمين وسلاسل الإمداد. وقد لمسنا ذلك بوضوح خلال الأشهر الماضية، حيث ارتفعت أقساط التأمين البحري في بعض المسارات المرتبطة بالبحر الأحمر بنسبة تراوحت بين 300% و 600%، فيما قفزت كلفة شحن الحاوية الواحدة بما يتراوح بين 1,500 و 3,000 دولار. ومع اضطرار شركات شحن كبرى إلى تغيير مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح، امتدت مدة الرحلات بنحو 10 إلى 14 يومًا إضافيًا، وارتفعت كلفة الوقود والتشغيل، قبل أن تنتقل هذه الأعباء تدريجيًا إلى أسعار السلع النهائية.
ومع تسارع التطورات الإقليمية، لم تعد هذه التداعيات حبيسة التقارير الفنية أو السيناريوهات الافتراضية. فمن خلال المتابعة المباشرة لسوق الشحن والتأمين خلال الأشهر الأخيرة، بات واضحًا أن كلفة المخاطر الجيوسياسية تُحتسب اليوم بشكل فوري في عقود النقل والتأمين، وتنعكس مباشرة على مؤشرات التضخم، خصوصًا في الاقتصادات الهشّة والمعتمدة على الاستيراد. ووفق تقديرات البنك الدولي، فإن كل زيادة بنسبة 10% في كلفة الشحن قد ترفع أسعار السلع المستوردة بما يتراوح بين 1.5% و 2%، وهو ما يضع ضغطًا إضافيًا على القدرة الشرائية للمواطنين، ويقوض أي جهود لتحقيق استقرار اقتصادي أو اجتماعي مستدام.
في هذا السياق، تتحمل الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية والجمهورية اليمنية، مسؤولية مضاعفة في حماية هذه الممرات، ليس دفاعًا عن مصالحها الوطنية فحسب، بل عن استقرار التجارة العالمية نفسها. ففي الحالة المصرية، تمثل قناة السويس شريانًا اقتصاديًا عالميًا لا يمكن الاستغناء عنه، وأي تهديد للبحر الأحمر ينعكس مباشرة على أحد أعمدة الاقتصاد المصري وعلى ثقة الأسواق الدولية في استدامة هذا الممر الحيوي.
أما في الحالة اليمنية، فتتضاعف حساسية هذه المعادلة بصورة أشد تعقيدًا، نظرًا لاعتماد الاقتصاد اليمني شبه الكامل على الاستيراد عبر البحر الأحمر وباب المندب، وعلى موارد خارجية محدودة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار النقدي والمعيشي. أي اضطراب في هذه الممرات لا يعني فقط ارتفاع كلفة الاستيراد، بل تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي والدوائي، وللاستقرار الاجتماعي الهش أصلًا.
وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال أن التحركات السياسية أو العسكرية الأحادية، خصوصًا تلك التي تتم خارج التنسيق المؤسسي ومع المرجعيات المتوافق عليها، تشكّل بطبيعتها مؤشرات إنذار مبكر لدى الشركاء الإقليميين، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية. فالدول المعنية مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب تقرأ هذه التحركات من زاوية أوسع، لا باعتبارها خلافات داخلية فحسب، بل كمخاطر محتملة على منظومة الأمن القومي العربي وعلى استقرار واحد من أهم الممرات المائية في العالم. إن أي واقع يُفرض بالقوة أو يُدار بمنطق الأمر الواقع، وبدعم من أطراف خارج تعمل خارج الإطار العربي الجامع، يرفع مستوى الشكوك ويزيد من حساسية التقدير الاستراتيجي لدى هذه الدول، لأن التجارب السابقة أثبتت أن غياب التنسيق ووحدة القرار غالبًا ما يفتح المجال أمام قوى مشبوهة لاستثمار الفوضى وتوظيفها بما يتجاوز حدود الخلافات المحلية. ومن هذا المنظور، لم يكن القلق الإقليمي وليد لحظة، بل نتيجة تراكم مؤشرات سابقة، قبل أن تسهم العودة إلى مسار التوافق المؤسسي وإعادة ضبط الإيقاع السياسي والأمني ضمن المرجعيات المتفق عليها في احتواء هذه الهواجس، والتأكيد على أن استقرار اليمن جزء لا يتجزأ من استقرار الإقليم.
ومن هنا، لا يمكن قراءة الاقتصاد اليمني بمعزل عن علاقته الاقتصادية العميقة مع المملكة العربية السعودية. فوفق تقديرات البنك الدولي، تتراوح تحويلات المغتربين اليمنيين سنويًا بين 3.5 و 4 مليارات دولار، تستحوذ المملكة وحدها على ما يقارب 60% إلى 65% منها. هذه التحويلات تمثل الرافد الأول للنقد الأجنبي، وتسهم في تمويل الاستيراد الغذائي والدوائي، ودعم ميزان المدفوعات، والتخفيف من الضغوط على العملة المحلية.
إلى جانب ذلك، لعب الدعم المالي والإنساني السعودي دورًا حاسمًا في منع انهيار اقتصادي شامل. فمنذ اندلاع الحرب، قدمت المملكة دعمًا لليمن يُقدّر بأكثر من 17 مليار دولار، شمل مساعدات إنسانية واسعة، وودائع للبنك المركزي، ودعمًا مباشرًا للخدمات الأساسية. وبعد توقف صادرات النفط أواخر عام 2022، قدمت المملكة دعمًا ماليًا إضافيًا تجاوز 2.5 مليار دولار خلال الفترة 2022–2024، ساهم في تغطية جزء من عجز الموازنة وضمان الحد الأدنى من استمرارية الدولة. اقتصاديًا، شكّل هذا الدعم شبكة أمان حقيقية في لحظة كانت فيها البدائل شبه منعدمة.
اقتصاديًا، لا يمكن فصل استقرار الدول المطلة على البحر الأحمر عن استقرار التجارة العالمية نفسها. فالاضطراب في هذه المنطقة يخلق أثرًا مضاعفًا يبدأ بكلفة الشحن، ويمتد إلى التضخم، ثم إلى الاستقرار الاجتماعي والسياسي. ولهذا، فإن حماية البحر الأحمر وباب المندب ليست خيارًا أمنيًا فقط، بل سياسة اقتصادية وقائية بامتياز.
ومن هذا المنظور، فإن أي مسارات سياسية أو أمنية تتجاهل حساسية هذه الممرات، أو تنخرط في اصطفافات تفتح الباب أمام عسكرة البحر الأحمر أو توظيفه لخدمة أجندات خارج الإقليم، لا تمثل مجرد مخاطرة سياسية، بل مغامرة اقتصادية مرتفعة الكلفة وضعيفة العائد. فالعبث بهذه الشرايين الحيوية يعني ارتفاعًا مستدامًا في كلفة التجارة، وتآكلًا في الثقة الاستثمارية، وضغوطًا إضافية على العملات، وتراجعًا في قدرة الحكومات على تلبية احتياجات مواطنيها.
إن حماية البحر الأحمر وباب المندب يجب أن تُفهم باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، وركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي الإقليمي. فالرهان الرشيد اليوم ليس في التصعيد، بل في الاستثمار في الاستقرار، وتعزيز التنسيق العربي المسؤول، وتغليب منطق الدولة والمصلحة الاقتصادية العليا على الحسابات قصيرة الأجل. فالدول لا تُقاس بحدة خطابها، بل بقدرتها على تجنيب شعوبها كلفة الأزمات قبل وقوعها، وحماية اقتصادها من الانزلاق في صراعات يدفع المواطن ثمنها أولًا وأخيرًا.
فارس النجار
المستشار الاقتصادي لمكتب رئاسة الجمهورية